ابن عجيبة

301

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ من الأموال في التجارة وغيرها ، وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يا معشر التجار ، أنتم فجار إلا من اتقى وبرّ وصدق وقال بالمال « 1 » هكذا وهكذا » . وقوله مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ أي : من حلاله ، أو من خياره ، أما في الزكاة فعلى الوجوب ، إذ لا يصح دفع الرديء فيها ، وأما في التطوع فعلى سبيل الكمال ، وأنفقوا أيضا من طيبات مِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ من أنواع الحبوب والثمار والفواكه ، وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما من مسلم يغرس غرسا ، أو يزرع زرعا ، فيأكل منه إنسان ولا دابّة ولا طائر ، إلّا كانت له صدقة إلى يوم القيامة » . ولا تقصدوا الْخَبِيثَ أي : الرديء من أموالكم ، فتنفقون منه وأنتم لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ في ديونكم إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا بصركم فيه ، وتقبضونه حياء أو كرها أو مسامحة . نزلت في قوم كانوا يتصدقون بخبيث التمر وشراره ، فنهوا عنه ، وأدبهم بقوله : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عن إنفاقكم ، وإنما أمركم به منفعة لكم ، حَمِيدٌ بقبوله وإثابته ، فهو فعيل بمعنى فاعل ، مبالغة ، أي : يحمد فعلكم ويشكره لكم ، إن أحسنتم فيه ، وفي الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن اللّه قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم ، وإن اللّه طيّب لا يقبل إلا طيبا ، لا يكسب عبد مالا من حرام فيتصدّق منه فيقبل منه ، ولا ينفق منه فيبارك له فيه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ، وإن اللّه لا يمحو السيّء بالسيىء ولكن يمحو السيء بالحسن ، وإن الخبيث لا يمحوه الخبيث » . الإشارة : يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص ، أنفقوا العلوم اللدنية والأسرار الربانية ، من طيبات ما كسبتم ؛ من تصفية أسراركم وتزكية أرواحكم ، وأنفقوا أيضا علوم الشريعة وأنوار الطريقة ، مما أخرجنا لكم من أرض نفوسكم التي تزكت بالأعمال الصافية والأحوال المرضية . ولا تيمموا العمل الخبيث أو الحال الخبيث ، تريدون أن تنفقوا منه شيئا من تلك العلوم ، فإن ذلك لا يزيد النفس إلا جهلا وبعدا ، فكما أن الحبة لا تنبت إلا في الأرض الطيبة ، كذلك النفس لا تدفن إلا في الحالة المرضية ، فلا تؤخذ العلوم اللدنية من النفس حتى تدفن في أرض الخمول ، وأرض الخمول هي الأحوال المرضية ، الموافقة للقواعد الشرعية ، وإليه الإشارة بقوله : وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ أي : لستم بآخذى العلم اللدني من الحال الخبيث ، إلا أن تغيبوا فيه عن حسّكم ، ومن غلبه الحال لم يبق عليه مقال . وعليها تتخرج قصة لص الحمّام « 2 » ، فلا يقتدى به لغلبة الحال عليه ، واعلموا أن اللّه غنى حميد ، لا يتقرب إليه إلا بما هو حميد . واللّه تعالى أعلم .

--> ( 1 ) أي : صرف المال في وجوه الخير ، قال ابن الأثير : العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال ، وتطلقه على غير الكلام واللسان . فتقول : قال بيده ، أي : أخذه . وقال برجله ، أي : مشى . وكل ذلك على المجاز . ( 2 ) وهو رجل عرف بالزهد وأقبل الناس عليه ، فدخل حماما ولبس ثياب غيره ، وخرج ، فوقف في الطريق حتى عرفه الناس ، فأخذوه وضربوه ، واستردوا الثياب وهجروه . قلت : ما فعل هذذا الرجل مبالغة وشطط لا يقره الشرع . وكما قال المفسر : لا يقتدى به لغلبة الحال عليه . والقصة ذكرها الغزالي في الإحياء 3 / 305 ، وابن عباد في شرح الحكم 1 / 80 .